الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
16
شرح ديوان ابن الفارض
للماه عدت ظما كأصدى وارد منع الفرات وكنت أروى صادر اعلم أن « عاد » في البيت بمعنى صار ترفع الاسم وتنصب الخبر . و « اللمى » سمرة الشفة في الأصل والمراد منه هنا الطريق للمجاورة . و « ظما » مصدر ظمىء غير أنه في الأصل مهموز فخفف بقلبه ياء « 1 » ، وهو العطش . و « أصدى » اسم تفضيل من صدى أي عطش وهو أيضا في الأصل مهموز « 2 » والوارد اسم فاعل من ورد الماء . و « منع » ماض مجهول . و « الفرات » ماء معلوم ويقال له نهر الفرات ويطلق الفرات ويراد به الماء الصافي اللطيف . و « أروى » اسم تفضيل من الري خلاف العطش . و « الصادر » اسم فاعل من صدر عن الماء رجع بعد وروده . الإعراب : التاء : اسم عاد . وظما : خبرها على تأويله بظامئا اسم فاعل . وللماه : متعلق به . أي عدت ظامئا للماه . وكأصدى وارد : حال من اسمها أو خبر بعد خبر أو هو الخبر . وظما : يكون مفعولا لأجله أو يكون حالا ونائب فاعل منع يعود لوارد . والفرات : مفعوله الثاني . وجملة منع الفرات : في محل جر على أنه صفة لوارد . والمعنى : صرت من الظما كأعطش رجل وارد قد منع الفرات شوقا لريقه والحال أنني كنت أروى رجل رجع عن الماء بعد وروده فكأنه يقول أنا ما صرت بهذه المرتبة في العطش إلا لشوقي إلى الماه وإلا فأنا في الحقيقة كنت مرتويا من الماء . وفي البيت الطباق في أصدى وأروى وفي وارد وصادر والقلب في أصدى وارد وأروى صادر . ( ن ) : اللمى هنا كناية عن العلم الإلهي الذي يظهر من حضرة الأمر الرباني للقلب الروحاني . والمعنى : أنه كان في حالة سلوكه بالتقوى والمجاهدة الشرعية ريان القلب من ربه ومن علوم المعرفة العقلية الخيالية صادرا عنها لا يطلب الزيادة لتحصيله علوم السعادة فلما تحقق بالمعرفة الذوقية والحقيقة الوجودية كشف عن نفس الأمر وعلم أنه كان في رسوم الخيالات يهيم وعلوم الظلالات غير مستقيم وشرب من بحر الحقائق المالح فازداد عطشا بعد عطش إلى أهمّ المصالح وإلى العلوم الذوقية لعلمه بضروريتها في المقامات الكشفية . اه .
--> ( 1 ) قوله : فخفف بقلبه ياء فيه نظر بل هو مخفف بحذف الهمزة . ( 2 ) قوله : وهو أيضا في الأصل مهموز ذكره صاحب القاموس في المعتل .